أحمد مصطفى المراغي

86

تفسير المراغي

ويستحسن ألا يقدم أحد على أمر من الأمور حتى يسأل اللّه الخيرة فيه ، وذلك بأن يصلى ركعتين صلاة الاستخارة ، يقرأ في الركعة الأولى بعد الفاتحة « قُلْ يا أَيُّهَا الْكافِرُونَ » وفي الركعة الثانية « قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ » . و عن جابر بن عبد اللّه قال : « كان النبي صلى اللّه عليه وسلم يعلّمنا الاستخارة في الأمور كلها ، كما يعلمنا السورة من القرآن ، يقول إذا همّ أحدكم بالأمر فليركع ركعتين غير الفريضة ، ثم ليقل : اللهم إني أستخيرك بعلمك ، وأستقدرك بقدرتك ، وأسألك من فضلك العظيم ، فإنك تقدر ولا أقدر ، وتعلم ولا أعلم ، وأنت علام الغيوب ، اللهم إن كنت تعلم أن هذا الأمر خير لي في ديني ومعاشى وعاقبة أمرى ، فاقدره لي ويسّره لي ، ثم بارك لي فيه ، اللهم إن كنت تعلم أن هذا الأمر شر لي في ديني ودنياي ومعاشى وعاقبة أمرى ، فاصرفه عنى واصرفني عنه ، وأقدر لي الخير حيث كان ، ثم رضنى به ، قال : ويسمى حاجته » . ثم أكد هذا وقرره بقوله : ( ما كانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ ) أي ليس لهم أن يختاروا على اللّه شيئا ، وله الخيرة عليهم ، فله أن يرسل من يشاء رسولا بحسب ما يعلمه من الحكمة والمصلحة دون أن يكون ذلك منوطا بمال أو جاه كما خيّل إلى بعض المشركين فقالوا « لَوْ لا نُزِّلَ هذَا الْقُرْآنُ عَلى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ » . ثم نزه سبحانه نفسه أن ينازعه في سلطانه أحد فقال : ( سُبْحانَ اللَّهِ وَتَعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ ) أي تنزيها له وعلوا عن إشراك المشركين ، فليس لأحد أن ينازع اختياره أو يزاحمه فيه ، لعلمه باستعداد خلقه وصلاحيتهم للاصطفاء ، فإذا أراد النبي صلى اللّه عليه وسلم أن يهدى أحدا ممن يحب ، أو أراد أهل مكة أن يرسل اللّه رسولا من عظمائهم قال اللّه لهم : ليس لكم من الأمر شئ ، فلا النبي صلى اللّه عليه وسلم بقادر على هدى عمه ، ولا أهل مكة يصلون إلى أن تكون الرسالة في عظمائهم .